هند زمامة… المغربية التي تلامس السماء وترفع علم بلادها فوق قمم العالم

عندما تفتح أبواب السماء للقلائل، تكون المتسلقة هند زمامة واحدة ممن يعبرونها بثبات. امرأة مغربية كسرت قوانين الجاذبية قبل أن تكسر الصور النمطية، واعتلت قمما لا يجرؤ عليها إلا أصحاب القلوب المنيعة. من سفوح توبقال إلى أعالي إيفرست، ثم إلى صخور كارتنز الوعرة، رسمت زمامة مسارا لا يشبه إلا نفسها: مسارا يُكتب بعرق الإرادة ودموع الانتصار. وفي كل خطوة نحو الأعلى، كانت تحمل وطنا بأكمله على كتفيها، رافعة العلم المغربي في أماكن لم تصلها إلا قلة من البشر. إنها ليست مجرد متسلقة جبال… إنها حكاية امرأة قررت أن تجعل السماء محطة في رحلتها، لا حدودا لها.
من قلب الجبال الشاهقة، حيث يختبر الإنسان حدود قوته، خرج اسم مغربي يلمع فوق أكثر القمم وعورة في العالم. إنها هند زمامة… امرأة حولت الصخور إلى جسور، والخوف إلى وقود، والإصرار إلى أسلوب حياة. صعدت جبالا لم يجرؤ كثيرون على الاقتراب منها، وتحدت المسالك الضيقة والرياح العاتية لتكتب مسيرة استثنائية.
ففي لحظة مغلفة بالفخر الوطني، تزامنت مع الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء والتتويج التاريخي لأشبال الأطلس بكأس العالم في مونديال الشباب، دونت المتسلقة المغربية هند زمامة اسما جديدا في سجل الإنجازات العالمية، بعد أن نجحت أكتوبر الماضي في بلوغ قمة كارتنز الشاهقة بإندونيسيا، خامس محطاتها ضمن تحدي القمم السبع في العالم، رافعة العلم المغربي وصور جلالة الملك محمد السادس.
إنجاز عالمي جديد يعانق السحاب
هند زمامة، أيقونة التحدي والمغامرة، استطاعت كسب رهان جديد والوصول إلى قمة كارتنز التي تعتبر من أصعب القمم العالمية بارتفاع يصل إلى 4884 مترا. إنجاز لم يكن نتاج صدفة، بل ثمرة مسار طويل لامرأة جبلت على العزيمة، بدأ من قمة توبقال بالمغرب، مرورا بـكليمنجارو في تنزانيا (5895 متر)، ثم أكونكاغوا بالأرجنتين، أعلى قمة في نصف الكرة الجنوبي (6962 متر)، تليها إلبروز في روسيا (حوالي 5642 متر)، وصولا إلى أعظمها جميعا: إيفرست (8849 متر)، التي بلغتها في ماي الماضي قبل أن تواصل رحلتها نحو القمم المتبقية.
بين مسؤوليات الأسرة وشغف الجبال
ما يجعل رحلة هند زمامة أكثر إلهاما ليس فقط صعوبة المرتفعات، بل قدرتها على تحقيق التوازن بين أدوارها المتعددة كامرأة، أم، جدة، وسيدة أعمال ناجحة، دون أن تتخلى عن شغفها بتسلق الجبال. ففي عالم طالما اعتُبر حكرا على الرجال، تثبت زمامة أن الطموح لا تحده الأعمار ولا المسؤوليات، وأن المرأة المغربية قادرة على اقتحام أكثر المجالات صعوبة بثقة وصلابة.
قمة كارتنز… تحد بصخور حادة ومسالك ضيقة
طبيعة كارتنز الوعرة جعلت الرحلة أكثر شراسة، فالمسالك الصخرية الضيقة تفرض استخدام الحبال والتركيز العالي والصلابة الذهنية. وقد اعترفت زمامة بأن هذه القمة كانت من أصعب محطاتها، نظرا لطبيعتها القاسية وخصوصيتها الجغرافية المختلفة عن باقي القمم التي صعدتها.
ورغم مرور خمسة أشهر فقط على إنجازها في إيفرست، اختارت زمامة خوض مغامرة جديدة في إندونيسيا، مؤكدة أن تسلق القمم يتطلب استعدادا بدنيا ونفسيا صارما، وأن لكل قمة “نكهتها الخاصة” وتحدياتها التي لا تشبه غيرها.
فخر وطني في لحظة مغربية مضيئة
تزامن الإنجاز مع احتفالات المغرب بذكرى المسيرة الخضراء والتتويج العالمي للأشبال بكأس العالم منح الحدث بعدا وطنيا خاصا. وأكدت زمامة أن رفع العلم المغربي في هذا التوقيت يمثل بالنسبة لها “أجمل هدية تقدّمها لوطنها ولجلالة الملك محمد السادس نصره الله”.
وتزامنا مع هذه اللحظة الوطنية المضيئة، كان لرسالة جلالة الملك محمد السادس الأثر البالغ في مشوار هند زمامة، حيث توج جلالته مسارها برسالة تقدير واعتزاز، عبر من خلالها الملك عن إشادته بالإنجازات الرياضية التي حققتها على الصعيدين الوطني والدولي، وما قدمته من صورة مشرفة للمرأة المغربية في ميادين الرياضة العالمية.
قصة نجاح تكتبها العائلة… وتكبر مع الحلم
تؤمن هند زمامة أن النجاح مسار لا محطة، وأن السعي الدائم هو سر التميز. فبعد مسيرة مهنية ناجحة وحياة أسرية متماسكة، ترى في أبنائها امتدادا لحلمها، وفي حفيديها بذرة أمل تنمو كما نمت أحلامها فوق القمم.
وتقول إن لحظة الوصول إلى القمة تذيب كل الألم، حين تلامس قدماها الصخور وهي تتوشح العلم المغربي، فيتحول التعب إلى نشوة انتصار وفخر كبير.
وتعزو زمامة جزءا كبيرا من نجاحها إلى أسرتها: والداها اللذان زرعا فيها الثقة وحب المغامرة، زوجها الذي منحها التوازن والدعم المستمر، أبناؤها وإخوتها وأصدقاؤها الذين كانوا دائما سندا معنويا، إضافة إلى المدربين الذين رافقوها في كل مرحلة من مراحل هذا الحلم.
نحو القمم المتبقية… حكاية إرادة لا تتوقف
تستعد هند زمامة اليوم لبلوغ القمم المتبقية من تحدي القمم السبع، مواصلة خط حكاية تتجاوز حدود الرياضة لتصبح رسالة أمل وعزيمة، ودليلا على أن الإنسان قادر على الوصول لأعلى النقاط على الأرض إذا آمن بحلمه ولم يتراجع.




